عبد الملك الجويني
161
نهاية المطلب في دراية المذهب
في عوده إلى الإسلام . ومن أصحابنا من قال : لا يصح منه ما لَه ، ويصح منه ما عليه ، فلم يصحّح إسلامه وصحّح ردته . ثم قال الشافعي رحمه الله : إذا حكمنا بردته ، فينبغي ألا نقتله ( 1 ) حتى يُفيق ، ونعرض الإسلام عليه ، فعساه يرجع ، فلو تاب ورجع في السكر ، فإن قلنا : لا تصح توبته ، فوجودها كعدمها . وإن قلنا : تصح توبته ، فلو أفاق ، عرضنا عليه التوبةَ مرة أخرى حتى يأتي بها على ذُكر وخُبْر وبصيرة . فلو ابتدره إنسان وقتله ؛ فقد ذكر بعض الأصحاب خلافاً في أنه هل يضمنه كما يضمن به المسلم إذا قتله ؟ فالذي ذهب إليه المحققون : أنه يضمنه ؛ فإنه قتله بعد التوبة المحكوم بصحتها ، وذكر بعض الأصحاب قولاً في إهداره ، وزعم أنه مأخوذ من مسألة ، وهي إذا حكمنا بإسلام مولود ، وكان علوقه على الكفر ، ولكن أسلم أحد الأبوين أو كلاهما ، فإذا بلغ فقتله إنسان قبل أن يعرب عن نفسه بالإسلام ، ففي وجوب الضمان ، خلاف ذكرناه في كتاب اللقيط ، ووجه التقريب عند هذا القائل أن الإسلام الحاصل بالتبعية إسلام حُكميّ ، وكذلك الإسلام الحاصل في السكران إسلام حُكميّ ، لم يصدر عن ثَبَتٍ في الاعتقاد . وهذا ليس بشيء . فإنا إذا صححنا إسلامه ، [ فهو متأصل في الإسلام ليس تابعاً لأحد ، فإن قيل : لم يصدر إسلامه ] ( 2 ) عن عقد ثابت ، قيل : كذلك صدرت الردة منه في سكره ، فلا فرق بينها وبين التوبة عنها ، وإن ذكر هذا القائلُ [ هذا القولَ ] ( 3 ) البعيد فيه إذا كان قد ارتد صاحياً ، ثم سكر وأسلم ، فقد يتضح الكلام هاهنا بعض الاتضاح ، ولكن لا معول عليه مع حكم الفقيه بتصحيح الإسلام من السكران ، وتنزيل أقواله وأفعاله منزلة أقوال الصاحي وأفعاله ، ولسنا نفرع على هذا القول الضعيف ؛ فإنه لا مستند له من القوانين .
--> ( 1 ) ت 4 : " لا يقتل " . ( 2 ) ما بين المعقفين سقط من الأصل ، وأثبتناه من ( ت 4 ) . ( 3 ) الزيادة من ( ت 4 ) .